“قبضة سارتوري” في بريشيا: حين يتحول الأمن إلى درعٍ للمهاجرين المندمجين وسلاحٍ ضد التطرف

17 mins read

بقلم: محمد قنديل
بريشيا – إيطاليا

يشهد إقليم “بريشيا” الإيطالي تحولاً أمنياً جذرياً يقوده “باولو سارتوري”، والي الأمن الذي أعاد تعريف مفهوم “القبضة القانونية”. فمنذ توليه المنصب، لم تعد الإجراءات مجرد أرقام في سجلات الشرطة، بل تحولت إلى استراتيجية شاملة تهدف إلى تنقية المجتمع من العناصر الإجرامية، وحماية صورة المهاجرين الذين يمثلون جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاقتصادي والاجتماعي للإقليم

الأمن من المكتب إلى الشارع: القيادة بالنموذج.
ما يميز حقبة سارتوري في بريشيا هو كسر الصورة النمطية للمسؤول البيروقراطي. فمدير الأمن لا يكتفي بإصدار الأوامر وإلغاء رخص الإقامة من خلف مكتبه، بل يُعرف بحضوره الميداني الطاغي؛ حيث يشرف بنفسه على العمليات التمشيطية في بؤر التوتر، ويتابع أدق تفاصيل العمل الأمني اليومي. هذا الالتزام الشخصي أعطى دفعة قوية لجهاز الأمن، وأرسل رسالة طمأنة للمواطنين والمقيمين بأن الدولة حاضرة بكل ثقلها في الشارع

الجاليات الأجنبية.. أول المصفقين للحزم.
على عكس ما قد تروجه بعض القراءات السطحية، وجدت إجراءات سارتوري صدىً إيجابياً واسعاً داخل الجاليات الأجنبية في بريشيا. فالمهاجر العامل والمندمج يدرك تماماً أن “المجرم” الذي يحمل جنسيته أو لونه هو أكبر عدو له؛ إذ أن سلوكيات المنحرفين وذوي السوابق تسيد صورة نمطية مسيئة تُعمم على الجميع.
لقد استوعبت الجاليات أن استتباب الأمن مصلحة مشتركة؛ فتطهير الأحياء من مروجي المخدرات والعصابات هو حماية لأبنائهم أولاً، وتعزيز لفرص اندماجهم في مجتمع يقدر الالتزام بالقانون

قطع الطريق على “هدايا” اليمين المتطرف.
تتجاوز مقاربة سارتوري البعد الأمني المباشر لتصيب هدفاً سياسياً استراتيجياً. فالسلطات في بريشيا وصلت إلى قناعة بأن إهمال الجريمة وسط المهاجرين هو بمثابة “هدية مجانية” لتيارات اليمين المتطرف الشعبوية. هذه التيارات تستغل كل هفوة أو جريمة فردية لبناء سردية كراهية تدعو لتهجير الجميع.
ومن خلال إلغاء أكثر من 300 رخصة إقامة لغير المستحقين وترحيل مئات المجرمين، يسحب سارتوري البساط من تحت أقدام المتطرفين. إنها رسالة مفادها: “الدولة قادرة على حماية القانون، ولا حاجة لخطابات الكراهية أو التعميم”

التحدي القنصلي ومراكز الترحيل
ورغم النجاحات، تظل العقبة الكبرى في “تصاريح الترحيل”. ففي ظل صعوبة استجابة بعض القنصليات لتحديد هوية مواطنيها ممن لا يملكون وثائق، تضطر السلطات لتحويل الموقوفين إلى مراكز الترحيل (CPR). وهو إجراء يراه الكثيرون ضرورياً لمنع عودة المجرمين إلى الشوارع مرة أخرى تحت ذريعة “عدم وجود أوراق ثبوتية”

و في الختام، يظل الأمن ضمانة للتعايش، فتجربة بريشيا اليوم تثبت أن الحزم الأمني ليس معادياً للهجرة، بل هو أكبر داعم لها إذا ما اقترن بالعدل. فالفصل بين “الأجنبي المنضبط” و”الأجنبي المجرم” هو السبيل الوحيد للحفاظ على تماسك المجتمع الإيطالي، وضمان أن تظل بريشيا إقليماً يستوعب الجميع تحت سقف القانون، بعيداً عن مزايدات السياسة أو تهديدات الإجرام

italiarabo

Latest from Blog